شكيب أرسلان
182
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
لأنّه إنما عمله لأجل أن يكون قدوة لا غير . هذا وفي لقيم سدود كثيرة للمياه ، إذا شاهدها الغريب ، ولم يكن يعلم طبيعة الإقليم ، ظنّ أنّها أسوار للحصار ، وحقيقة الحال أنّ الماء في هذه البلاد عزيز ، فإذا جاءت سحابة ملأت السهل والوعر ، وأسالت الأودية ، وقد تكون السحابة لم تستمر أكثر من ساعة ، ثم تعود الأرض فتنشف كأن لم تصبها نقطة مطر . فأهالي جزيرة العرب من قديم الدهر احتاطوا للأمطار بالسدود والحواجز ، لتحويل المياه إلى أشجارهم وزروعهم ، ولعدم ذهاب الماء سدى ، ومن هذه السدود ما كان يضرب به المثل ، وما كانت تحيا به بلدان وقبائل ، مثل سد مأرب مثلا ، وكيفما تقلّب السائح في جزيرة العرب وجد السدود والحواجز والقني بين كبير وصغير ناطقة بلسان حالها أنّه يجب إحراز المياه بقدر الإمكان ، لأنّه لا يتيسّر هنا في كل وقت . ولقد صادفنا في جوار الطائف كثيرا من السدود القديمة الخربة ، ولحظنا آثار عمران دارسة ، كانت في أصولها جنانا ناضرة ، ومما لا مرية فيه أنّ جزيرة العرب ملأى بهذه الآثار ، ولكن ليس لها كتب تفي بالتعريف بها إلا ما كان من كتب الهمداني « 1 » . ولقيم موصوفة بجودة الحنطة والحبوب ، ولذلك جاء في « تاج العروس » . الحنطة اللقيمية الكبار السّروية ، التي يؤتى [ بها ] من السراة ، أو نسبة إلى لقيم - كزبير - بلدة بالطائف موصوفة بجودة البّر والشعير . وفي « لسان العرب » : لقيم اسم رجل ، ولا أدري أسميت هذه القرية باسم رجل اسمه لقيم ، أم هي تصغير لقم بمعنى طريق ؟ وقد جاء ذكر لقيم في تواريخ الطائف ، نقل ابن فهد الهاشمي المكي المتوفى سنة ( 922 ) في كتابه « تحفة اللطائف ، في فضائل الحبر ابن
--> ( 1 ) [ الحسن بن أحمد صاحب « الإكليل » و « صفة جزيرة العرب » ] .